“صفقات الاتصالات” في سوريا تفتح أبواب “الخصخصة الفاسدة”

تواجه العاصمة السورية دمشق، الخاضعة لسلطة الأمر الواقع التي يتزعمها الجولاني، منزلقاً اقتصادياً خطيراً يضع المنظومة الحاكمة في مواجهة مباشرة مع الرأي العام، وذلك على خلفية منح شركة “زين” رخصة تشغيل للاتصالات ممتدة لعشرين عاماً مقابل 747 مليون دولار فقط. هذا الإجراء الاقتصادي الحساس أثار موجة عارمة من التساؤلات والشكوك حول نزاهة الصفقة وآليات تقييمها، وسط اتهامات متزايدة بدخول البلاد عصر “الخصخصة الفاسدة” التي تنتهي بتصفية الأصول السيادية للدولة وبيع مقدراتها الحيوية لشركات خارجية بعيداً عن الرقابة والمحاسبة، في ظل غياب تام لمفهوم دولة المؤسسات أو حتى أركان شبه الدولة الشفافة.
وتفجرت هذه القضية السياسية والإعلامية عقب تصريحات علنية لرامي مخلوف، كشف فيها أن شركة “سيرياتيل” وحدها كانت ترفد خزينة الدولة بـ 250 مليون دولار سنوياً؛ وبناءً على هذه الأرقام والبيانات المالية الرسمية، فإن منح رخصة لعقدين كاملين بمبلغ لا يغطي عائدات ثلاث سنوات من النظام التشغيلي السابق يعد مؤشراً صارخاً على وجود غبن فاحش وهدر متعمد للمال العام. وإن صحت هذه الأرقام، فإن للرأي العام السوري الحق الكامل في معرفة الآلية القانونية والمالية التي جرى بموجبها تقييم هذه الصفقة، وهو ما لا يمكن حسمه بالبيانات التبريرية السطحية، بل يتطلب فتح تحقيق مالي وقانوني مستقل وشفاف تتوفر فيه أعلى معايير النزاهة لكشف مآلات الثروات الوطنية.
إن هذا التخبط المالي والتفريط في أصول الدولة ليس معزولاً عن طبيعة التركيبة القيادية التي تهيمن على مقدرات البلاد اليوم؛ إذ تقع مفاصل الاقتصاد السوري وثرواته بالكامل تحت إدارة دائرة ضيقة تابعة للجولاني مباشرة، يتصدرها الثلاثي “أبو مريم الأسترالي”، و”مصطفى قديد”، و”قتيبة بدوي”. وتتحكم هذه المجموعة بالمشهد الاقتصادي بالتوازي مع بسط المشايخ السلفيين والتيار المتشدد نفوذهم المطلق على كافة السلطات العسكرية، والسياسية، والاقتصادية، والثقافية، والأمنية، والخدمية في البلاد، حيث ينحدر غالبية القادة والعناصر من خلفيات فكرية جهادية متطرفة، مما جعل إدارة البلاد تتحول من نظام مؤسساتي إلى منظومة غنائمية تسعى لتثبيت نفوذها السياسي والعسكري عبر صفقات اقتصادية مشبوهة وعقود طويلة الأجل تفتقر إلى الشرعية الشعبية أو المؤسسية.
ورغم محاولات المنصات المؤيدة لتوجهات الجولاني الدفاع عن الصفقة بذرائع استثمارية وتنموية، من قبيل أن شركة “زين” شركة ربحية لم تدخل السوق السورية كجمعية خيرية، إلا أنهم يروجون لمكاسب جانبية تتمثل في التزام الشركة بصيانة وتطوير البنية التحتية لعشرين عاماً مقبلة قبل أن تتسلمها الحكومة دون مقابل، فضلاً عن توفير آلاف الوظائف المباشرة وغير المباشرة وعائد مادي بسيط؛ إلا أن الشارع السوري يقابل هذه الادعاءات برفض واسع، مؤكداً أن هذه التبريرات والمكاسب المفترضة لا تعفي بأي حال من الأحوال سلطة الأمر الواقع من مسؤولية التدقيق، ونشر البيانات المالية السابقة للشركات المشغلة بشكل علني ومكشوف، ومقارنتها بدقة مع شروط ومعطيات الشركة الجديدة لضمان عدم تمرير عقود تصفية مقنعة للبلد.
وبالنظر إلى الخلفية التاريخية لقطاع الاتصالات السوري، يتجلى حجم التراجع؛ حيث لم تكن شركة “MTN” يوماً مملوكة لأزلام النظام السابق، بل تأسست في البداية برأس مال لنجيب ميقاتي قبل أن تستحوذ عليها مجموعة “MTN” جنوب الإفريقية، في حين كانت شركة “سيرياتيل” مملوكة لرامي مخلوف بالكامل. وتكشف الوقائع التاريخية الموثقة أن وزير الاتصالات في عهد النظام السابق كان قد أكد في مقابلة تلفزيونية رسمية عن رفض عروض سابقة قدمتها شركة “زين” ذاتها بعد دراستها ملياً، نظراً لأن المقترح السوري المشروط آنذاك كان يتمسك بتملك الدولة لـ 25% من أسهم الشركة داخل سوريا، مع وجود بند تعاقدي ملزم يقضي بأيلولة التملك الكامل للدولة بحلول عام 2014. هذا التباين الشاسع بين العقلية الحمائية السابقة وعقلية البيع والخصخصة الحالية يؤكد أن سلطة الأمر الواقع التي واصلت إحكام قبضتها على دمشق منذ أواخر عام 2024، ماضية في تصفية ما تبقى من أركان الاقتصاد الوطني وتدمير مستقبل البلاد لحساب تمويل شبكاتها النفعية والأمنية المتطرفة.



